أبي هلال العسكري
137
الصناعتين ، الكتابة والشعر
من قذف المحصنات ، وشهادة الزور ، وقول البهتان ؛ لا سيما الشعر الجاهليّ الذي هو أقوى الشعر وأفحله ؛ وليس يراد منه إلّا حسن اللفظ ، وجودة المعنى ؛ هذا هو الذي سوّغ استعمال الكذب وغيره مما جرى ذكره فيه . وقيل لبعض الفلاسفة : فلان يكذب في شعره ؛ فقال : يراد من الشاعر حسن الكلام ، والصّدق يراد من الأنبياء . فمن مراتبه العالية التي لا يلحقه فيها شيء من الكلام النظم « 1 » الذي به زنة الألفاظ ، وتمام حسنها ؛ وليس شيء من أصناف المنظومات يبلغ في قوة اللفظ منزلة الشعر . ميزات الشعر على غيره ومما يفضل به غيره أيضا طول بقائه على أفواه الرّواة ، وامتداد الزمان الطويل به ؛ وذلك لارتباط بعض أجزائه ببعض ؛ وهذه خاصة له في كلّ لغة ، وعند كلّ أمة ؛ وطول مدة الشئ من أشرف فضائله . ومما يفضل به غيره من الكلام استفاضته في الناس وبعد سيره في الآفاق ؛ وليس شيء أسير من الشعر الجيّد ، وهو في ذلك نظير الأمثال . وقد قيل : لا شيء أسبق إلى الأسماع ، وأوقع في القلوب ، وأبقى على الليالي والأيام من مثل سائر ، وشعر نادر . ومما يفضل به غيره أنه ليس يؤثّر في الأعراض والأنساب تأثير الشعر في الحمد والذم شيء من الكلام ؛ فكم من شريف وضع ، وخامل دنىء رفع ؛ وهذه فضيلة غير معروفة في الرسائل والخطب . ومما يفضلهما به أيضا أنه ليس شيء يقوم مقامه في المجالس الحافلة ، والمشاهد الجامعة ، إذا قام به منشد على رؤوس الأشهاد ، ولا يفوز أحد من مؤلّفى الكلام بما يفوز به صاحبه من العطايا الجزيلة ، والعوارف السنيّة ، ولا يهتزّ ملك ، ولا رئيس لشيء من الكلام كما يهتزّ له ، ويرتاح لاستماعه ؛ وهذه فضيلة أخرى لا يلحقه فيها شيء من الكلام .
--> ( 1 ) في ط : هو النظم .